وقف أحمد الشرع أمام ما يسمى مجلس الشعب ليمارس هواية الأنظمة الاستبدادية المفضلة: التخدير بالأرقام. ميزانية بـ 10.5 مليار دولار، ونمو بنسبة 35%، وزيادات رواتب تصل إلى 1200%. للوهلة الأولى، يبدو النص كأنه إعلان عن معجزة اقتصادية نادرة منذ الحرب العالمية الثانية، لكن القراءة الجنائية لما خلف هذه الأرقام تكشف عن ولادة نظام رئاسي يصادر صلاحيات البرلمان، ويمارس هذيانا إحصائيا يفتقر لأدنى القواعد المحاسبية؛ حيث يبدو أن العقل الإداري الجديد لا يفرق بين الموازنة كخطة تقديرية وبين الميزانية كتقرير ختامي.
إن ما يتباهى به الشرع ليس ثمرة تنمية، بل هو تجميع مركزي للإتاوات. الأرقام التي تضخمت فجأة ليست نتاجا لمصانع دارت، بل هي حصيلة الاستحواذ المنهجي على حقول النفط والسدود والمعابر التي انتزعت من الأطراف في الشمال والجنوب لصالح المركز. ما يسميه الشرع بوقاحة دلالية المناطق التي تحررت مؤخرا هو في الحقيقة تبييض عسكري لعمليات الاستيلاء على موارد السوريين والسوريات؛ فهذا الفائض الذي يفتخر به الشرع ليس فائض إنتاج، بل هو دين أخلاقي مستحق للدروز والأكراد الذين انتزعت مواردهم المائية والنفطية والزراعية بالقوة العسكرية لتغذية خزينة دمشق. وبينما يتحدث الشرع بزهو عن طفرة تزيد الناتج المحلي بمقدار 50 مليار دولار، تصدمنا بيانات البنك الدولي بحقيقة أن الاقتصاد السوري خسر 50% من حجمه منذ 2010، وانكمش بنسبة 1.5% في 2024. إن ادعاء نمو بنسبة 35% هو هذيان تتجنب حتى العمالقة كالصين وألمانيا الادعاء به في ذروة قوتها، فكيف ببلد مشلول البنية التحتية؟
هنا، يجب أن نتوقف عن قراءة بيانات وزارة المالية التي تحول النهب إلى نمو، ونستمع للمصدر الحقيقي في النص المضاد: المجالس المحلية في السويداء والقامشلي التي تسأل اليوم بوضوح: أين تذهب عوائد نفطنا ومياهنا؟ وكيف يمكن الحديث عن موازنة 2026 في ظل غياب قطع الحسابات لعام 2025؟ إن إغفال كشف أين صرفت الأموال فعليا وكيف تم تمويل العجز، يحول خطاب السلطة من بيان دولة إلى كشف حساب مقاول يرفض تقديم الفواتير.
رشوة الحراس لضمان الإذعان
الزيادات الخرافية في الأجور ليست استردادا للقوة الشرائية، بل هي رشوة نقدية قطاعية. السلطة هنا لا ترفع رواتب الموظفين عموما، بل تشتري الجهاز العصبي للقمع؛ وتحديدا الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش وجهاز الرقابة المالية. هؤلاء هم عيون أمير الحرب داخل أروقة البيروقراطية، وزيادة رواتبهم هي علاوة كتم أنفاس لضمان عدم تسرب حقيقة النهب المركزي. إنها سياسة تحويل المواطن من صاحب حق إلى مفعول به يتم تمكينه بالصدقة الحكومية، بينما تظل الفجوة الطبقية تتسع بين حاشية أمير الحرب وبقية الشعب السوري الذي يواجه غلاء فاحشا. فعندما نتحدث عن رفع الأجور، علينا كشف نسبة التضخم؛ فبدونها تظل الزيادات مخدرة للواقع وليست تحسينا للمعيشة في ظل فقر يتجاوز 90% وفق الأمم المتحدة.
تبييض الاستبداد عبر الامتثال لباريس
يمارس الشرع ببراعة قلب السببية؛ فيدعي أن تحسن سعر الصرف هو نتيجة عبقرية اقتصادية، بينما الحقيقة هي أن الامتثال الأمني في باريس والـ 620 مليون يورو من المنحة الأوروبية هي التي منحت الليرة قبلة الحياة مؤقتا كثمن سياسي. الشرع يرسل رسالة واضحة للغرب: انظروا إلى الاستقرار، وتجاهلوا ملامح الزي العسكري أو مجازر السويداء.
إن التوقيت الذي اختاره الشرع لاستعراض هذه الأرقام ليس عبثيا؛ فهو يأتي كتمهيد دعائي لزيارته المرتقبة إلى برلين. فالرجل يذهب إلى العاصمة الألمانية ليبيع نموذجا اقتصاديا يبرر من خلاله شرعية سلطته كشريك مستقر يمكن التعامل معه. لذا، وقبل أن يحط أحمد الشرع رحاله في برلين، يجب كسر زجاج واجهة الأرقام التي يحملها في حقيبته الدبلوماسية كبضاعة سياسية؛ فتلك المؤشرات ليست شهادة تعاف، بل هي نتاج اقتصاد تجفيف الاستهلاك المحلي، حيث تنتزع لقمة العيش ليظهر المركز بمظهر الممتثل ماليا. برلين التي تترقب هذه الزيارة، يجب أن تدرك أنها لا تستقبل رئيس دولة يبني اقتصادا مستداما، بل تفاوض مقاولا يبيع وهم الاستقرار الرقمي تجميلا لواقع منهار.
والأخطر هو تدخل الرئيس المباشر في تفاصيل السياسة النقدية وسعر الفائدة؛ وهي أمور يتحاشى أباطرة المال تاريخيا حتى الإيماء بها كي لا يضطرب السوق، بينما يقتحمها الشرع ببراعة الهواة، متجاهلا أن استقرار العملات لا يحدث إلا حين يبتعد الساسة عن خنق البنوك المركزية واستخدام النقد لأغراض الدعاية. إن الوصول إلى مستوى معيشة 2010 ليس إنجازا وطنيا إذا كان الثمن هو تأميم السيادة وإلغاء التعددية السياسية؛ فسورية التي يتحدث عنها الشرع ليست وطنا، بل هي شركة مركزية يوزع فيها الرئيس المقاول الأرباح على الممتثلين، بينما يحرم منها المطالبون والمطالبات بالحرية الحقيقية واللامركزية. إن 40% من الموازنة المخصصة للصحة والتعليم ستتحول، في العمق، إلى تمويل لهندسة السيطرة وبرامج الأسلمة وأجهزة الرقابة التي ترتب السوريين فوق رفوف طائفية وتفرض عليهم دليل المستخدم الأمني، في حين تغيب تماما بنود تمويل إعادة الإعمار، ورفع الأنقاض، والهيئة العليا للانتخابات، وملفات العدالة الانتقالية والكشف عن مصير مئات آلاف المفقودين.
وفي الوقت الذي ينفق فيه المركز ميزانيته لتمويل جهازه الرقابي، تظل السويداء نموذجا للمناطق المخرومة اقتصاديا والمحاصرة بقرار سياسي مبيت. هنا، يصبح الانتقال نحو اقتصاد محلي ثابت ومستقل، يعتمد على الإنتاج الذاتي واللامركزية الاقتصادية، ليس مجرد خيار سياسي، بل هو ضرورة بيولوجية للبقاء. إن بناء اقتصاد محلي في السويداء هو الرد الوحيد الممكن على سلطة تستخدم الجوع الإداري كسلاح لفك الارتباط بنظام يحول الثروة الوطنية إلى سيولة مركزية للحرب.
الخلاصة الباردة
ما قدمه أحمد الشرع هو تقرير المقاول السنوي. الحقيقة الجنائية هي أننا أمام استبداد تكنوقراطي يعوض غياب الشرعية الانتخابية بفائض الموازنة الناتج عن تصفية الأقاليم. والتفاخر بهذا الفائض في ظل وجود ملايين المهجرين هو جريمة إدارية وإفلاس أخلاقي؛ فالدولة يجب أن تعاني عجزا لتمويل الاستقرار الاجتماعي وإعادة بناء المشافي والمدارس المدمرة، لا أن تكنز المال وشعبها تحت خط الفقر. فالأوطان لا تبنى بزيادات الأجور التي توزع كمنح سلطوية لصمت الموظفين.
دمشق اليوم، تحت غطاء هذه الأرقام، لا تبني مؤسسات دولة انتقالية، بل تدير مسلخا اجتماعيا منظما، حيث يصنف المواطنون كأرقام ديموغرافية يجب إخضاعها بالمال بعد إخضاعها بالقمع. إنها مرحلة جديدة من الإذعان، تشتري فيها السلطة صمت العالم بأرقام النمو، وصمت الجياع بفتات الموازنة المصادرة أصلا من جيوبهم.
شكرًا على قراءة “Powerhub” من مجلة “The Diplomat”! اشترك مجانًا لتتلقى المنشورات الجديدة وتدعم عملي.
