استهلال تشريحي: سيكولوجية التبعية ووثن المركز
يطل علينا من حين لآخر أبواق المركزية ومرضى “متلازمة الهيبة” الذين يستمدون شرعية خطابهم من المركز والهالة التي يحيط نفسه بها؛ حيث نلاحظ تجلياً سوسيولوجياً لافتاً يتقمص فيه “التابع” مزاج “السيد” ويعيد إنتاج خطابه بحدة تفوق أحياناً حدة المصدر. هذا التماهي ليس مجرد انحياز سياسي، بل هو صرخة دفاع عن استبداد جريح يستخدم لغة الدولة والقانون لمنع قيام دولة المواطنة واللامركزية. إن جوهر الخداع في هذا الطرح يكمن في تحويل “هيبة الدولة” من وظيفة خدمية إلى “وثن ميتافيزيقي” يُستخدم كأداة سيكولوجية لتعطيل أي منطق نفعي أو براغماتي، مما يغلف النزعة الإقصائية برداء الحب الوطني الزائف والعدالة الانتقالية الشكلية. ويدعم هذا الطرح التشريحي مجموعة من المفاهيم المركزية في أدبيات السياسة الواقعية، حول سيكولوجية السلطة، و”وثن البرستيج”، والارتهان البيروقراطي للمركز.
1. رقعة الشطرنج الجيوسياسية: صنم الهيبة، وتآكل السيادة
تبدأ الرحلة التحليلية من تفكيك “وثن هيبة الدولة” الذي استعارته السلطة الناشئة في دمشق (هيئة تحرير الشام)؛ وهو مفهوم لم يعد في السياق السوري المعاصر مجرد شعور سيادي، بل تحول إلى “استراتيجية ردع ميتافيزيقية” وخداع للمظاهر يهدف لتبدو السلطة أقوى مما هي عليه فعلياً في ظل فقدانها للسيطرة الجوية والميدانية الشاملة ولاسيما في الجنوب لصالح إسرائيل والشمال لصالح تركيا. بالمنظور الواقعي البارد لموازين القوى، فإن “البرستيج” أو الهيبة هي القوة الناعمة التي تُغني عن استنزاف السلاح؛ لكن حين تتحول هذه الهيبة إلى عائق إدراكي يمنع السلطة من الاعتراف بتبدلات القوى الحيوية على الأرض، فإننا ننتقل من “الواقعية السياسية” إلى “الفجاجة السياسية” التي تعمي صانع القرار عن رؤية الانزياحات الجغرافية الكبرى. هنا يصبح “الظهور بمظهر السلطة” في العاصمة بديلاً عن الحقيقة الميدانية، مما يجعل “السيادة كصنم” تتقدم على “السيادة كوظيفة” تعاقدية.
إن المركز الجديد، بإصراره على رفض التفاوض الندي مع الأطراف الداخلية بدعوى حماية “الهيبة”، يقع في فخ “التفكير الجمعي” (Groupthink)، حيث يتم إهمال المعلومات الواقعية عن تبدل موازين القوى لصالح أوهام “الحصانة المركزية” و”التفوق الأخلاقي” الزائف. تاريخياً، يُعلمنا مسار تطور الدول أن تفتيت المركزية المطلقة لم يكن يوماً انتحاراً للدولة، بل كان “الثمن الضروري” لشراء الاستقرار ومنع حروب الإبادة المتبادلة. إن ما نشهده اليوم هو محاولة لفرض “نموذج ويستفالي قسري” يرفض الاعتراف بـ “السيادة التعاقدية”، مما يحول الدولة من حامٍ للعقد الاجتماعي إلى “فاعل استباحي” يفقد سيادته الوظيفية لصالح أوهام العظمة الهيكلية. إن “مركز الثقل” (Center of Gravity) لأي سلطة شرعية يكمن في قدرتها على التكيف المرن واستيعاب المكونات، وليس في صنميتها. المفاوضات هنا ليست خدشاً للهيبة، بل هي اعتراف بالواقع الجغرافي وبأن السلطة هي “وكيل ائتماني” للشعب وليست سيداً مطلقاً عليه.

2. السياسة الحيوية بنية الاستباحة: تجريم الوجود عبر “حرب الدلالات”
في هذا المستوى، نقوم بتشريح “سياسات الموت” الممارسة عبر الخطاب التفاوضي للسلطة الجديدة. إن وصف القوى المحلية في السويداء، أو ريف حماه، أو الساحل بـ “العصابة” أو “الخوارج” يتعدى الشتيمة سياسية العابرة، الى ما هو “هندسة دلالية” وعملية “تجريد من الإنسانية” (Dehumanization) تهدف سيكولوجياً إلى إزالة أي عائق أخلاقي يمنع المركز من الفتك بالطرف الآخر. هذا التوجه يغذيه تابعون “متعلقون بمعين السلطة” الذي يمثل شريان حياتهم ، مما يدفعهم لتبني أفكار المركز بحدة مفرطة. عندما يُعرّف المركز المكونات المحلية كـ “مجرمين”، فإنه يخرجهم من دائرة “العدو العادل” الذي يُفاوض، ويضعه في خانة “المستباحين” (The Banished) الذين تجوز تصفيتهم واستئصالهم. القوة هنا تكمن في القدرة على احتلال “المنطقة الأخلاقية العليا” عبر استخدام “وثن الهيبة” كأداة لتعطيل المنطق البراغماتي وتصوير كل مطلب محلي كخطيئة كبرى ضد “الذات الإلهية” للدولة.
يتم استدعاء “العدالة الانتقالية” هنا لا كأداة لإنصاف المظلومين، بل كـ “سلاح دستوري” للإلغاء السياسي وتصفية الخصوم تحت غطاء القانون والشرعية الثورية الزائفة. إن هذا الخطاب الاستئصالي يمثل كابوساً وجودياً يتجاوز الطوائف ليشمل كل سوري رافض للنمط الأوحد؛ فبالنسبة للدروز والمسيحيين والعلويين والإسماعيليين، وللسوريين المدنيين الذين حلموا بدولة تعددية، يمثل هذا الخطاب تبشيراً بدولة “تطهير عقائدي” تسعى لتحقيق “أمن مطلق” للمركز، وهو ما يعني بالضرورة “انعدام أمن مطلق لجميع الآخرين” (المكونات والأطراف. إن تحويل العقد الاجتماعي من “وثيقة حماية” إلى “مذكرة إعدام” جماعية قائمة على الغلبة هو خيانة كاملة لجوهر السيادة، وتحويل للسلطة إلى “مغتصب” يمارس سلطته عبر تغييب قسري لكل صوت مختلف.
3. الأثر الحسي والميداني: جغرافيا النجاة و”الموقف” الذي فرض السلاح
على مستوى الميدان، بعيداً عن ضجيج القصور في دمشق، تتبدى السيادة كفعل “حسي” مرير للنجاة. ثمة رائحة بارود خانقة تمتزج بهواجس “التطهير” التي تسكن البيوت في السويداء والساحل ومناطق التماس. المأساة الميكروية تكمن في أن الفرد في هذه المناطق يجد نفسه مضطراً لبناء “قبو هوياتي” (عبر التشكيلات المحلية) كملجأ أخير للحماية الجسدية، في ظل فشل المركز في بناء “غرفة معيشة” وطنية تتسع للجميع. إن الدولة التي تبني فقط “القبو” (أدوات القمع والردع) وتفشل في بناء “غرفة المعيشة” (العدالة، الرفاه، والاعتراف بالآخر) هي دولة فاشلة أخلاقياً ووجودياً، وتجبر سكانها على التمترس خلف جدران الخصوصية.
الميدان يخبرنا أن تجاهل السلطة للمظلومية البنيوية هو “خطأ عزو أساسي”؛ فالسلوك الدفاعي للأطراف ليس “نزعة إجرامية” فطرية، بل هو استجابة غريزية لبيئة استبدادية خلقها المركز. السويداء اليوم ليست “عصابة”، بل هي مختبر لـ “السيادة من أسفل”، ومطالبها تنبع من واقع “المساعدة الذاتية” (Self-help) التي يفرضها غياب الدولة العادلة. بالنسبة للمكونات التي تجد نفسها خارج عباءة السلطة الجديدة، فإن خطاب “الهيبة والاستئصال” يثير ذكريات حسية جارحة عن مراحل سابقة من الاستباحة والتهجير. الميدان يثبت أن “السيادة الفعلية” قد انتقلت بالفعل إلى الحواجز التي تحمي الخصوصيات، وأن أي محاولة لاستعادة هذه السيادة بـ “خداع المظاهر” أو القوة العارية لن تؤدي إلا إلى إدامة حرب أهلية تتغذى على روائح الخوف وجثث الأوهام المركزية.
4. التركيب الكوني: نحو سيادة تعاقدية و”جسر ذهبي” للسلام
ختاماً، إن الحالة السورية في صراعها بين مركزية “هيئة تحرير الشام” الإقصائية وسيادة المكونات المحلية تمثل “ميكروكوزم” (عالماً مصغراً) لأزمة الدولة في القرن الحادي والعشرين؛ حيث تتصادم “أساطير الهيبة” المتهالكة مع “حقوق البقاء” البيولوجية والسياسية. إن الحكمة الاستراتيجية تقتضي منح الخصم “جسراً ذهبيّاً” للتراجع، وهو ما ترفضه العقيدة الصفرية الحالية التي ترى في أي تنازل انكساراً ميتافيزيقياً. إن القوة الحقيقية لا تطلب الاعتراف، بل تفرضه عبر تحويل الحقائق الميدانية إلى سياسة واقعية، والحكمة تكمن في تحويل “سلطة الأمر الواقع” إلى “سلطة شرعية” عبر إضافة عنصر “الرضا والتعاقد” إلى “القوة والإكراه”.
يجب إعادة تعريف “هيبة الدولة” لتكون “القدرة على حماية عقد اجتماعي تعاقدي” بدلاً من “القدرة على القمع”. إن حماية سوريا من التمزيق تتطلب الانتقال من “منطق الغلبة” إلى “منطق الشراكة”، والاعتراف بأن أي نظام يقوم على الرهبة هو نظام عاجز و”طارد للسيادة”. إن تطبيق “مبدأ التبعية” (Subsidiarity)، حيث تمارس الهيئات المحلية الصلاحيات التي يعجز المركز عن أدائها بعدالة وكفاءة، هو المخرج الوحيد لمنع تحول سوريا إلى مقبرة كبرى للأوهام المركزية. السيادة الحقيقية هي التي تحمي حياة البشر وتصون كرامتهم، وليست تلك التي تختبئ خلف “أوثان الهيبة” لتبرير الإبادة المتبادلة.
أخيرا العقيدة التفاوضية القائمة على “وثن الهيبة” هي الوصفة المثالية للتفتيت الذاتي؛ والسيادة التعاقدية هي “طوق النجاة” الأخير لمنع تحول سوريا إلى مقبرة كبرى للأوهام المركزية.
