مجزرة السويداء: عندما تُصبح الأقلية وقوداً للسياسة والسلاح
تحليل مستند إلى تقرير لجنة الأمم المتحدة للتحقيق المستقلة بشأن سوريا (مارس 2026)، والبيان الصحفي المرافق له، وشهادات موثَّقة من الميدان
من هم الدروز؟ وأين السويداء؟
قبل أن نقرأ التقرير، نحتاج إلى لحظة سياق للجميع مجدداً. الدروز شعب متجانس ثقافياً، ذو تطلعات سياسية موحدة وعقيدة مستقلة. سيادته تنبع منه كجماعة سياسية، وحقوقه تقوم على الطبيعة البشرية والمساواة؛ وحق تقرير المصير حق أصيل وفق القانون الدولي لجميع الشعوب لتحديد وضعها السياسي بحرية، ولا سيما بعد مجزرة مثل مجزرة “تموز الأسود”. يعيش الدروز في سوريا ولبنان وإسرائيل، ويبلغ عددهم في سوريا نحو مليون شخص، يتركز معظمهم في السويداء جنوب سوريا ويعيشون جنباً إلى جنب مع إخوتهم المسيحيين. اشتهرت هذه الطائفة تاريخياً بتمسكها باستقلاليتها وبعدم الدخول في تحالفات إشكالية مع الأنظمة، وهو ما جعلها دائماً هدفاً مريحاً للاستهداف حين تشتعل الأزمات.
إن تقرير المفوضية الأممية حول مجازر يوليو يكشف عن تحول الاستباحة من حالة طوارئ مؤقتة إلى بنية مستقرة للحكم؛ حيث يؤكد تبلور “اقتصاد سياسي للموت” يصبح فيه القتل أداة لإعادة ترتيب الديموغرافيا وضبط الخرائط البشرية. سوريا اليوم ليست سوريا الأسد. في ديسمبر 2024، سقط بشار الأسد بعد أكثر من خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية، وجاءت إلى السلطة حكومة انتقالية. لكن سقوط الديكتاتور لا يعني انتهاء الفوضى، بل في بعض الأحيان يعني بدايتها من جديد، حيث لم تعد الدولة مجرد جهة تحتكر العنف، بل أصبحت ماكينة استباحة لا تكتفي بإنهاء الحياة، بل تخضع الأجساد المتبقية لعملية تجريد مستمرة من الحقوق، مما يجعل النجاة في حد ذاتها حالة من “الاستثناء القابل للإلغاء في أي لحظة”.
تموز 2025: الشرارة والحريق
في الثاني عشر من تموز 2025، نشأ توتر عند نقطة تفتيش بين مسلحين دروز ومقاتلين من العشائر البدوية في محافظة السويداء. هذا لم يكن حادثاً معزولاً، كانت شرارة في حقل من الجفاف والاحتقان، ألقاها أطراف يعلمون تماماً ما ستشعله. في غضون أيام قليلة، كانت المحافظة تغرق في ثلاث موجات متتالية من العنف أودت بحياة أكثر من 1700 شخص وهجّرت ما يقارب 200,000 آخرين من منازلهم. ما صدر في 27 مارس 2026 هو تقرير لجنة الأمم المتحدة للتحقيق المستقلة بشأن سوريا، وثيقة تفصيلية تتجاوز 80 صفحة، بنيت على 409 شهادات مباشرة من ناجين وشهود، إلى جانب زيارات ميدانية معمّقة للمناطق الأكثر تضرراً.
غير أن ما لا يقوله التقرير بصراحة كافية، كشفته الروائية والطبيبة السورية د. نجاة عبد الصمد، ابنة السويداء المقيمة في برلين، حين أثارت في أيلول 2025 سؤالاً جوهرياً: “كيف نُسمّي اشتباكاً ما كان أحد طرفيه أداةً في يد طرف ثالث يملك الجيش والسلطة والقانون؟” وتكشف نجاة أن التواطؤ بين السلطة والعشائر البدوية لم يبدأ في يوليو، بل امتدت جذوره إلى شباط 2025، أي أن المجزرة كانت محضَرة لأشهر، لا وليدة لحظة انفعال.
الموجة الأولى: الدولة تقتل مواطنيها (جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية)
بين الرابع عشر والسادس عشر من تموز، دخلت القوات الحكومية السورية إلى محافظة السويداء برفقة مقاتلين من العشائر القبلية، وأعلنت حظر تجوّل. ما جرى بعد ذلك وثّقه متن التقرير ومنظمة العفو الدولية بالأدلة المرئية والشهادات:
• إعدامات ميدانية: فصل الرجال الدروز عن النساء والأطفال وإعدامهم في الشوارع والمنازل والساحات والمدارس والمستشفيات.
• تعذيب واحتجاز تعسفي: ضرب واحتجاز مدنيين دون أي إجراء قانوني.
• عنف جنسي: توثيق اغتصاب امرأة درزية شابة أمام والدتها، وتعريض قسري ونزع الكرامة عن نساء أخريات خلال اقتحام المنازل.
• نهب ممنهج للمنازل والمحلات التجارية.
• تدنيس الجثث وحرقها بعد القتل، وهو نمط موثق بشكل خاص في المناطق التي نشطت فيها القوات الحكومية.
يصنف القانون الدولي هذه الأفعال ضمن أشد الجرائم خطورة؛ فهي جرائم حرب لكونها انتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف، وهي جرائم ضد الإنسانية لأنها ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق ومنهجي موجه ضد السكان المدنيين. و”المنهجية” قانوناً تعني التنظيم العالي واتباع نمط منتظم بناءً على سياسة عامة أو خطة مبيتة. الأهم في كل هذا: وثّق متن التقرير أن المقاتلين القبليين الذين رافقوا الجيش كانوا يعملون تحت “السيطرة الفعلية للقوات الحكومية”، مما يجعل أفعالهم منسوبةً رسمياً إلى الدولة السورية بموجب قواعد مسؤولية الدولة. وهذا الدعم الرسمي يحول الانتهاكات من مجرد حوادث معزولة إلى أفعال دولية غير مشروعة تتحمل الدولة السورية التزام جبر أضرارها. بل رصد التقرير حالات اتصل فيها جنود بقياداتهم عبر الراديو يطلبون التعليمات، دليل قاطع على وجود تسلسل قيادي فاعل، لا انهيار في السيطرة. وقد أنشأت السلطات غرفة عمليات مشتركة بين وزارتي الدفاع والداخلية للإشراف على العملية، مما يجعل مسؤولية الدولة مباشرةً لا قابلة للجدل.
الموجة الثانية والثالثة: دوّامة الانتقام والمسؤولية الجنائية
الموجة الثانية (17 تموز): بعد انسحاب القوات الحكومية مباشرة، هاجمت جماعات مسلحة درزية المدنيين البدو، وارتكبت بدورها انتهاكات جسيمة بما فيها القتل والتعذيب والتشريد القسري. وثّق متن التقرير هذه الانتهاكات ولم يبررها، لكنه وضعها في سياقها الزمني: رد فعل على موجة الإعدامات والنهب والاغتصاب التي سبقتها. ومن المنظور القانوني، تفتقر هذه الأفعال التي اتسمت بـ “الطابع الفردي” أو كونها “رد فعل انفعالي” محدود النطاق، إلى عنصر “السياسة أو الخطة” الضروري لتصنيفها كجرائم ضد الإنسانية، وإن كانت تظل خاضعة للمساءلة.
الموجة الثالثة (أواخر 17 إلى 19 تموز): كانت الأكثر دماراً من الناحية المادية. حشد مقاتلون قبليون طلباً للانتقام، فأحرقوا ونهبوا جميع المنازل والمحلات والمواقع الدينية تقريباً في 35 قرية ذات أغلبية أو تواجد درزي. في هذه المرحلة، خلع بعض عناصر القوات الحكومية زيّهم العسكري وارتدوا لباساً قبلياً وانضموا إلى الهجمات، وهو ما وثّقه متن التقرير ويُثير سؤالاً جوهرياً حول الهوية والإسناد ومسؤولية الدولة. إن “المنهجية” قانوناً تُعرف بالتنظيم العالي، حيث تنجح السلطة في تحويل الفضاء العام إلى ساحة عرض لقوة المحو، مما يفرض حالة من “الخضوع الوقائي” على من بقي حياً.
صوت من الداخل: نجاة عبد الصمد والأثر الحسي
بينما تحدّثت التغطيات الإعلامية العديدة عن اشتباكات بين البدو والدروز، كانت د. نجاة عبد الصمد تعمل على تفكيك هذه الرواية شهادة بعد شهادة. خلف المصطلحات الأممية الرصينة، هناك الجغرافيا المستباحة التي تتنفس الموت؛ فالأرقام لا تنقل رائحة البيوت المحروقة ولا صمت القبور الجماعية التي لم تُفتح بعد. إن الأثر الحسي هنا هو تحول الذاكرة الفردية إلى “حقل ألغام” حيث يظل الناجون محاصرين في لحظة المجزرة. وثقت نجاة شهادة الممرضة س.ف من حارة المقوّس في مدينة السويداء، التي رأت بعينيها ما لا تستطيع وثيقة أممية أن تصفه: دخل عناصر الأمن العام ووزارة الدفاع أولاً، ثم تبعتهم “فزعة العشائر”، لا العكس. طلبت الممرضة من د. نجاة بالحرف: “أمانة وصّلي صوتنا… الدم اللي غطى أرض حارة المقوس برقبة مصطفى البكّور.” ما تُضيفه د. نجاة للصورة يتجاوز التوثيق العاطفي؛ تكشف أن السلطة كانت تغضّ الطرف عن تسليح البدو في الوقت الذي كانت تمنع فيه تسليح الدروز، مشهد يعكس سياسة ممنهجة. وتجادل بأن تصوير ما جرى على أنه “نزاع طائفي” هو تأطير يخدم السلطة قبل أي طرف آخر، لأنه يحول الجاني إلى وسيط والضحية إلى طرف متشابك. هذا الضغط المستمر أدى إلى تآكل الروابط الأفقية بين الأفراد، حيث يتحول كل جسد إلى رقم في سجلات الخسارة.
دور إسرائيل:
في السادس عشر من يوليو، شنت إسرائيل غارات جوية على مواقع عسكرية سورية في السويداء ودمشق. قدمت إسرائيل هذا التدخل علناً باعتباره “حماية للأقلية الدرزية”. وعلى المستوى الجيوسياسي، يمثل هذا التدخل مسماراً في نعش التوقعات الدبلوماسية حول استقرار سوريا؛ فبالنسبة للقوى الفاعلة، يظل هذا الرعب المحلي متغيراً ثابتاً في حسابات توازن القوى.
هنا يجب التمييز بدقة بين مصدرين رسميين:
أولاً: ما ورد في البيان الصحفي الرسمي المرافق للتقرير (27 مارس 2026)، وليس في متن التقرير مباشرة، بحسب النسخة العربية الرسمية لـ OHCHR:
“لم يؤدِّ التدخل العسكري الإسرائيلي، والجهود السابقة الرامية إلى عرقلة عمل الحكومة وتقويض المركزية وزرع الفتنة، إلى مقتل وإصابة أشخاص فحسب، بل ساهم ذلك أيضاً في زعزعة الاستقرار، مما أدى إلى تأجيج اتهامات الخيانة الموجهة إلى قادة المجتمع الدرزي، ودفع إلى مزيد من التحريض الإلكتروني على الكراهية والهجمات الانتقامية ضد المجتمع بأسره، ما أدى إلى تقسيمه.”
ثانياً: ما وثّقته اللجنة ذاتها في تقرير سابق (مايو 2025)، بنص إنجليزي حرفي أكثر صراحة: “الغارات الجوية الإسرائيلية والتهديدات بتدخل عسكري إضافي، إذ تواصل إسرائيل توسيع احتلالها للجولان السوري وتحاول تقسيم مختلف المجتمعات السورية، تهدد بزعزعة استقرار سوريا بشكل أكبر.”
كلا المصدرين الأمميين يحاولان تحميل إسرائيل المسؤولية: بمعنى إسرائيل استخدمت الدروز ورقة في لعبتها الإقليمية، والدروز دفعوا الثمن مرتين مرة من السلطة، ومرة من الانتقام الطائفي المحرَّض. لكن التقرير الصادر يخدم وظيفة التوثيق القانوني للتاريخ، إلا أنه يفتقر إلى آلية إجبارية للتنفيذ، مما يجعله أداة لتبريد الانفعال الدولي أكثر من كونه أداة لفرض العدالة. لكن ما سبق الضربة الإسرائيلية: التحريض المنظَّم يسبق التدخل بأشهر. الضربات الإسرائيلية جاءت في اليوم الثالث من المجازر، أي بعد أن كانت الإعدامات الميدانية والنهب والاغتصاب قد وقعت فعلاً. النار كانت مشتعلة، إسرائيل لم تشعلها.
التحريض المنظم: ثلاث مراحل مبيتة
البيئة التي أُنضجت فيها المجزرة لم تبدأ في تموز، ولم تصنعها إسرائيل. التحريض كان في مراحل متعددة وسابقة:
المرحلة الأولى، نيسان 2025: انتشر تسجيل صوتي مزوَّر نُسب زوراً إلى شيخ درزي يدعى مروان كيوان، يتضمن إساءة للنبي محمد. في غضون 72 ساعة، اندلعت أعمال عنف طائفية في أحياء درزية في جرمانا وصحنايا، ورفُعت شعارات “اذبحوا الدروز” و”اغزوا السويداء”. هجمات وُثِّقت ولم تتحرك قوات الأمن لمنعها رغم أن التحريض كان علنياً وواسعاً، وهو حملة تحريض منسّقة امتدت في تسع محافظات خلال 24 ساعة.
المرحلة الثانية، مطلع تموز 2025: قُبيل اندلاع المجازر مباشرةً، رُصدت دعوات صريحة للجهاد ضد الدروز تُبث من مساجد في المنطقة. وظهر علنياً مسلحون من أمثال أبو الميش السراوي، المتورط في مجازر الساحل السوري سابقاً، يهدّد الدروز بالذبح في تسجيل مصوّر علني، في حين نفت السلطة القبض عليه رغم ادعاءاتها بذلك.
المرحلة الثالثة: خطاب شيوخ سلفيين: دعوات طائفية صدرت عن شيوخ سلفيين دعت المسلحين للانتهاز استجابوا لها بالانضمام إلى العمليات، في مشهد رسم فيه التقرير الأممي خطاً واضحاً بين المحرِّض والمنفِّذ. وكان أحمد الشرع نفسه أقرّ لاحقاً بأن “بعض الأفراد أساؤوا للدولة ودورها في الاستقرار الوطني”، اعتراف يُثبت وعي القيادة بما جرى دون أن يشكّل محاسبة فعلية. يقر القانون الدولي الحديث بأن الأفراد، وليس الدول فقط، يتحملون مسؤولية جنائية مباشرة. لا حصانة للمسؤولين؛ فلا يعفي المنصب الرسمي (سواء كان رئيس دولة أو مسؤولاً حكومياً) الشخص من المسؤولية الجنائية، ولا يُعد سبباً لتخفيف العقوبة أمام المحاكم الدولية. كما يتحمل القائد المسؤولية عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوهم إذا علموا بها (أو كان ينبغي أن يعلموا) ولم يتخذوا الإجراءات اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها.
ما يقوله التقرير صراحةً للمحاكم الدولية
متن التقرير استخدم لغة قانونية دقيقة تضع الأساس للملاحقة القضائية الدولية:
• الانتهاكات ترقى إلى جرائم حرب.
• إن ثبُتت عناصر إضافية عبر التحقيق، فقد ترقى أيضاً إلى جرائم ضد الإنسانية.
• المسؤولية الأولى منسوبة إلى الدولة السورية بفعل التسلسل القيادي الموثّق.
• العنف الجنسي سيحظى بتقرير مخصص ومعمق لاحقاً، إذ يرى المحققون أن ما وُثِّق لا يمثّل الصورة الكاملة بسبب الخوف والوصمة الاجتماعية.
الفخ القانوني: “المساواة الزائفة” مقابل “تقرير المصير العلاجي”
حين تقول تقارير إعلامية عدة “انتهاكات من جميع الأطراف”، يوحي ذلك بتكافؤ الجرائم، وهو ما يُعرف قانونياً بـ “المساواة الزائفة”. القانون الدولي لا يعمل بهذه الطريقة؛ إذ إن التمييز بين القوات الحكومية وحلفائها القبليين وبين الفصائل الدرزية يرتكز على فوارق جوهرية تمنع التكافؤ؛ فمن حيث التسلسل الزمني، كانت الموجة الأولى التي قادها المركز هي المبادِئة، بينما اقتصر تحرك الفصائل الدرزية في الموجة الثانية على كونه رد فعل انفعالي. كما يتجلى التباين في النطاق الجغرافي الذي شمل 35 قرية ومدينة كاملة في هجوم السلطة مقابل نطاق محدود نسبياً للفصائل المحلية. أما من حيث الطابع، فقد اتسم هجوم السلطة بكونه منهجياً ومؤسسياً موثقاً ومحضراً له منذ فبراير 2025، بينما غاب التحضير المسبق عن الطرف الآخر. والأهم قانونياً هو إسناد الدولة الرسمي للموجة الأولى، وتوثيق حالات العنف الجنسي فيها، وهي عناصر ترفع عتبة الجريمة لتُصنّف كجرائم ضد الإنسانية.
إن عرض الانتهاكات على أنها متكافئة يؤدي إلى تمييع الفارق بين “المعتدي المؤسسي” وبين “رد الفعل المحلي”، وهو ما يتناقض مع مبدأ أن السيادة تنبع من حماية السكان، والدولة التي تهاجم سكانها تفقد حصانتها الأخلاقية والقانونية. إن توثيق اللجنة للمجازر يضعف شرعية السلطة الحاكمة دولياً ويعزز المطالب المتعلقة بـ “تقرير المصير العلاجي” (Remedial Secession)؛ إذ ثبت أن المركز يهدد وجود المكونات المحلية.
خلاصة: حين تكون الأقلية وقوداً (جبر الضرر والملاحقة)
ما جرى في السويداء تموز 2025 تجاوز العنف الطائفي إلى سياسة حين دخلت القوات الحكومية باسم النظام وأعدمت المدنيين. وهو أداة حين تدخلت إسرائيل بذريعة الحماية. وهو دوّامة حين تحوّل بعض الضحايا أنفسهم إلى جزء من حلقة الانتقام. من منظور القانون الدولي، لا يوجد تكافؤ بين عنف مؤسسي مدعوم من الدولة يتبع سياسة تطهير أو اضطهاد منهجي، وبين عنف دفاعي أو رد فعل يفتقر للتنظيم والسياسة العامة. إن هذا التقرير هو وثيقة قانونية تدين الأطراف المتورطة بجرائم دولية لا تسقط بالتقادم، ويؤسس لالتزامات قانونية على الدولة السورية بجبر الأضرار (التعويض المادي، الترضية، أو ضمانات عدم التكرار).
الدروز في السويداء طالبوا بالعدالة من جميع الأطراف. وكما تقول د. نجاة عبد الصمد بصوت ابنة الجبل التي تحمل قلم الروائية ومشرط الطبيبة معاً: “تثبيت الحق لا يكون عبر المبالغة، بل عبر الدقة.” التقرير الأممي خطوة أولى، لكنه يظل محصوراً في بياض النسيان حيث لا تملك الأرقام قدرة على استعادة نبض الموتى أو كرامة المفقودين. العدالة الحقيقية تبدأ بالاعتراف بأننا أمام إبادة جماعية محتملة؛ وهي أفعال تُرتكب بنية التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة دينية (كما في سابقة قضية أكاييسو)، وهو ما يفتح الباب أمام الملاحقة الجنائية الفردية للقادة المسؤولين عن إصدار الأوامر أو الصمت عن تلك المجازر.
ملاحظة منهجية: استند هذا التحليل في اقتباساته المباشرة إلى النسخة العربية الرسمية للبيان الصحفي الصادر عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة (OHCHR) بتاريخ 27 مارس 2026، مع مطابقة المصطلحات القانونية الجوهرية بالنسخة الإنجليزية الأصلية لضمان دقة التوصيفات كجرائم الحرب وإسناد المسؤولية. يُميّز المقال بوضوح بين ما ورد في متن التقرير (80 صفحة)، وما جاء في البيانات الصحفية الرسمية المرافقة له، وما نقلته شهادات موثّقة من الميدان.
المصادر الرئيسية:
تقرير لجنة الأمم المتحدة للتحقيق المستقلة بشأن سوريا، مارس 2026 , النسخة العربية | النسخة الإنجليزية
بيان لجنة التحقيق الأممية بشأن سوريا، مايو 2025 (OHCHR)
منظمة العفو الدولية — تقرير سبتمبر 2025
هيومن رايتس ووتش — تقرير يناير 2026
شهادات د. نجاة عبد الصمد — سبتمبر 2025 موقع درج
شكرًا على قراءة “Powerhub” من مجلة “The Diplomat”! اشترك مجانًا لتتلقى المنشورات الجديدة وتدعم عملي.
