سيادة الأنقاض من فخ “الأقلية” إلى “الشعب المؤسِّس
يجهز لجنة التحقيق الدولية الارضية الفرصة للدروز للتحول من أقلية إلى الشعب المؤسس يعبر الانفصال العلاجي
تقرير لجنة التحقيق الدولية الصادر في آذار 2026 حول مجازر السويداء الذي يسرد جنائيا لـ 1700 قتيل، في جوهر القانون الدولي وثيقة طلاق دستوري نهائية بين مركز مستبد وأطراف . إن التفاصيل التي كشفها التقرير عن “غرفة عمليات مشتركة” وتسلسل قيادي أدار المذبحة، تنهي وإلى الأبد حقبة الاستعطاف الأمني وتضع المجتمع الدرزي أمام استحقاق وجودي: الانتقال من وضعية الأقلية المحتمية بالدولة، إلى مأسسة وضع الشعب المؤسِّس (Constituent People). هذا التحول ليس هو تأصيل قانوني يستند إلى أمهات أفكار القانون الدولي؛ حيث يرى الفقيه “فرانسيسكو دي فيتوريا” أن السيادة تنبع أصلاً من الجماعة السياسية (الشعب)، وأن صاحب السلطة الحقيقي هو الشعب بموجب القانون الطبيعي، وليس المركز الحاكم.
إن قراءة المشهد السوري الحالي عبر عدسة “السياسة الحيوية” تكشف أن السلطة في دمشق لم تعد تحكم مواطنين، بل تدير مخزناً بشرياً تصنف قاطنيه وفق منطق الغلبة. وحين وثقت الأمم المتحدة نية الإبادة المبيتة منذ فبراير 2025، سقط عقد الوصاية المفتوح الذي تدعيه الحكومة الانتقالية. وهنا يتفق طرحنا مع فكر فاسكيز دي مينشاكا، الذي أكد أن سلطة الحاكم لا تكون شرعية إلا إذا قامت على الإرادة الحرة للخاضعين لها؛ وبما أن الدولة لم تنشأ إلا لضمان حقوق المحكومين، فإن تحلل السويداء من هذا العقد هو ممارسة شرعية لـ حق المقاومة الذي لا يسقط بالتقادم أمام دولة انتهكت جوهر وجودها. في هذا المنظور البارد، لم يعد الدروز كسراً عشريا في معادلة ديموغرافية، بل هم “شعب” بالمعيار القانوني الحديث الذي يعترف بأن الشعوب هي صاحبة الحق الأصيل في “تنميتها السياسية والاجتماعية والثقافية” بحرية.
هذا التحول من المظلمة الوجدانية إلى الواقع المؤسسي يتطلب تحويل الهوية إلى مؤسسات حكم تعبر عن الشخصية المتميزة للمجتمع. إن المطالبة بالحكم الذاتي هي الصيغة القانونية الوحيدة لتقسيم السلطة ومنع المركز من استخدام الجوع الإداري كأداة للجباية. ولكي يصبح هذا الوضع حقيقة سيادية، لا بد من فرض المأسسة الدستورية عبر إدراج وضع السويداء كـ “شعب مؤسس” ضمن نصوص الدستور بـ “فقرات محصنة” (Entrenched Clauses). هذه الفقرات هي الضمانة الوحيدة لـالتعددية القانونية والاعتراف بخصوصية “الآخر”، وأي خرق لها من قبل المركز يعتبر انهيارا كاملاً للعقد الاجتماعي يمنح الطرف المتضرر حق التحلل الفوري من الالتزام.
وعلى المستوى الدولي، فإن السيطرة الفعلية التي تمارسها المجالس المحلية في السويداء اليوم هي المعيار الواقعي لانتزاع الشخصية القانونية الدولية؛ فمبدأ “الفعالية” (Effectiveness) في القانون الدولي هو ما يحدد الشخصية القانونية للكيانات الناشئة. يجب أن تتوقف هذه المجالس عن كونها دوائر خدمية، لتكتسب صفة “كيان سيادي غير دولاتي” أو “حركة تحرير وطني”، مما يمنحها القدرة على عقد اتفاقات دولية ومخاطبة المنظمات الأممية بصفة “مراقب”، كاسرةً بذلك احتكار المركز للتمثيل الخارجي.
وهنا يبرز الخيار القانوني الأقصى: “الانفصال العلاجي” (Remedial Secession). هذا “السلاح النووي” القانوني ينشأ عندما يحرم شعب ما من حقه في تقرير المصير الداخلي أو يتعرض لاضطهاد مستمر وتهديد وجودي موثق. في هذه الحالة، تصبح “السلامة الإقليمية” للدولة ثانوية أمام حق الشعب في البقاء؛ فالمركز الذي أرسل اللاسلكي بالأوامر للإعدامات الميدانية فقد حصانته السيادية. إن المسح الجغرافي للكره وحملات التحريض المنظمة تجعل من الانتقال إلى وضع الشعب المؤسس هو الصمام القانوني الأخير للبقاء.
الخلاصة الباردة:
لقد أثبت تقرير آذار 2026 أن دمشق لم تعد سلطة حماية، بل أصبحت مقاولا أمنيا يدير مسلخا اجتماعيا. العدالة الحقيقية لن تأتي من لجان تبرئة يشكلها الجاني، بل من انتزاع “الشخصية القانونية” للسويداء كفاعل سيادي يستمد مشروعيته من الأرض ومن فشل المركز في وظيفة الحماية. إن البقاء ضمن الدولة اليوم أصبح “خياراً تعاقدياً” مشروطاً بالعدالة والاعتراف، وليس قدراً محتوماً محكوماً بالرصاص. فالشعب الذي يحمي نفسه وسط أنقاض العقد القديم، هو الوحيد الذي يمتلك الحق في كتابة العقد الجديد.
شكرًا على قراءة “Powerhub” من مجلة “The Diplomat”! اشترك مجانًا لتتلقى المنشورات الجديدة
