كنا نعتقد أن سوريا مع مطلع عام 2026 ستكون ساحة لاحتمالات سياسية مفتوحة، لكنها لم تعد كذلك. سوريا تحت حكم أحمد الشرع تحولت إلى مختبر عالمي لنموذج الدولة المجزأة؛ وما تفرضه دمشق اليوم على قاطنيها ليس حكما، بل هو عقد وصاية مفتوح.
تخيل أن قرارا بمنع الكحول لا يهدف إلى حماية الفضيلة، بل إلى رسم خريطة عرقية وطائفية جديدة بأقلام فوسفورية. هذا بالضبط ما يحدث في دمشق اليوم؛ فقرار حظر المشروبات الكحولية لم يكن فعلا دينيا بقدر ما كان عملية مسح جغرافي. القارئ قد يعتاد رؤية هذه القرارات كتعبير ديني محض، وهذا ما تريده السلطة تماما، لكن القراءة الجنائية الدقيقة تكشف أداة سلطة؛ فالحظر مع وجود استثناءات يرسم حدودا غير مرئية داخل النسيج المدني. من يشرب الكحول يعرف الآن أين مكانه، ومن لا يشرب يعرف أيضا أين مكان الآخر. الحي المسيحي كباب توما والقصاع يتحول إلى غيتو وظيفي، مرصود ومحدود وقابل للإغلاق بريموت كنترول أمني يدار مباشرة من مكتب أمير المؤمنين الجديد.
شكرًا على قراءة “Powerhub” من مجلة “The Diplomat”! اشترك مجانًا لتتلقى المنشورات الجديدة وتدعم عملي.
الدولة هنا لا تضطهد علنا، بل تصنف في صمت، والفرق بين التصنيف والإبادة هو مسألة توقيت لا مسألة مبدأ. إن هذه السلطة تمارس هندسة الديكور المجتمعي لبيتها الداخلي بمتعة وشبق للمجزرة.
الدولة التي تصنف، لا الدولة التي تحكم
المشكلة الجوهرية تكمن في الفراغ الذي تتخذ فيه هذه المراسيم. حكومة الشرع لم تنتخب، وتفويضها الوحيد كان التحضير لانتخابات حرة، لكن المواعيد مرت والصندوق لم يفتح، وسوريا تحكم اليوم بمراسيم.
في علم السياسة، ثمة فارق جوهري بين الدولة التي تحكم مواطنيها والدولة التي تصنفهم؛ فالأولى تلزم الجميع بالقانون، والثانية توزع الحقوق والمخاطر وفق بطاقات الهوية. ما تفعله دمشق اليوم هو الثانية بامتياز؛ ترتيب السوريين وتوضيبهم فوق رفوف طائفية، ثم تحديد من منهم قيد الدراسة ومن منهم جاهز للاستخدام أو التصفية.
هذه استراتيجية ردع نفسية تسعى لتعطيل المنطق النفعي والبراغماتي للناس في التعامل مع السياسة، عبر إخضاعهم وشل حركتهم بوثن هيبة الدولة المفترضة.
لجنة السويداء: بيروقراطية التبرئة
هذه الآلية الإدارية للقتل تجلت بوقاحة في عمل اللجنة المكلفة بالتحقيق في مجازر السويداء. المتهم لا يحقق في نفسه. أن تخلص لجنة حكومية إلى أن عناصر بخلفيات جهادية ارتكبوا جرائم غير ممنهجة ليس دليلا على ضعف منظومة العدالة، بل هو الدليل القاطع على عدم وجودها أصلا، وأن ما يملأ مكانها هو بيروقراطية التبرئة.
نحن نتحدث عن نظم لا تقتل بعشوائية، بل تنظم الموت وتوزعه وتغطيه لاحقا بوثائق رسمية لتوزيع أعباء الإبادة بدقة. ما تفعله لجنة الشرع هو نموذج تطبيقي؛ الجريمة تحدث، واللجنة تحصنها وتغسلها، والوثيقة تصبح درعا قانونية ضد أي محاسبة دولية محتملة.
انتهاء الصلاحية والتبييض القانوني
يطرح القانون سؤالا بديهيا: متى تنتهي صلاحية السلطة الانتقالية؟ الجواب: حين تتجاوز تفويضها، وحين تفرض تغييرات هيكلية على الهوية والثقافة والتعليم والرموز الوطنية قبل أن يحتكم للشعب، وحين تمنع تأسيس الأحزاب وتغلق الفضاء السياسي بينما تمارس صلاحيات سيادية كاملة.
ما يحدث في دمشق اليوم هو عملية تبييض قانوني واسعة النطاق للميليشيات، حيث تمنح زي الدولة وحصانتها لتنفيذ عمليات تصفية حسابات تاريخية بعيدة عن أي رقابة.
تجاوز الشرع كل هذه الخطوط، ورغم ذلك لا يزال يقدم في بعض الأوساط كبراغماتي يمكن التعامل معه. هذا الوصف يستحق مراجعة قاسية؛ فالدولة التي تصنف مواطنيها بدلا من أن تحكمهم، وتبرئ قاتليها بدلا من أن تحاكمهم، وتعيد رسم خرائطها الطائفية تحت غطاء التنظيم الديني، لا تحتاج وصف معتدل، بل تحتاج تسمية دقيقة.
دمشق اليوم ليست عاصمة دولة انتقالية تبني مؤسساتها، إنها مقاول أمني يدير مسلخا اجتماعيا بانتظار استحقاقات المقايضة الكبرى.
شكرًا على قراءة “Powerhub” من مجلة “The Diplomat”! اشترك مجانًا لتتلقى المنشورات الجديدة وتدعم عملي.

