قبل الشروع في هذا التحليل تقتضي الدقة التمييز بوضوح بين الوثيقة الحالية (A/HRC/61/62) التي صدرت كـ إحاطة عامة تقيم الجغرافيا السورية الشاملة، وبين التقرير الخاص المرتقب الذي ستصدره اللجنة لاحقا حول مجازر السويداء ، فالتعاطي مع هذا التقرير العام في هذا المقال لا يتعارض مع الحكمة القائلة بضرورة التريث القانوني لقراءة مخرجات التقرير الخاص المنتظر، بل يسبقه بخطوة ؛ فنحن هنا نخضع الإطار الجيوسياسي والهيكل المفاهيمي للتقرير للتحليل، لنفهم كيف تشرعن جنيف علاقتها مع المركز في دمشق، وكيف تبيت النية الدولية قبل الغوص في تفاصيل ومسرح الجريمة التي سيكشفها التقرير القادم.
يتكشف من خلال النظر بعمق لتقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة الصادر في آذار 2026 برقم (A/HRC/61/62) بشأن سورية، بان هذه الوثيقة الحقوقية التي تهدف الى تحقيق العدالة هي وبذات الوقت بيان نعوة رسمي لشرعية (الدولة) المركزية في دمشق. يمرر التقرير الذي وثق مجازر عام 2025 في الساحل والسويداء، حقيقة جيوسياسية مرعبة، وهي أن سورية قد انتقلت من سجن الحزب الواحد إلى مسلخ الفصائل المضفى عليها صبغة الشرعية ، حيث تمارس عمليات التطهير العرقي والمذهبي تحت عباءة المرحلة الانتقالية وبمباركة المنسق المركزي من دمشق، ليضع المجتمع الدولي أمام حقيقة أن المركز المتمثل بحكومة احمد الشرع هو المسؤول الأول عن تفتيت نسيج البلاد. تكمن القوة الاستراتيجية لهذا التقرير في تحويل الانتهاكات من مجرد كارثة محلية اصابت مجتمعات اصيلة في سورية إلى حقائق مثبتة في أعلى السجلات الحقوقية الدولية، مما يمنع السلطة من طمس الجرائم أو تقييدها ضد مجهولين، ويحفظ للضحايا حقهم في أرشيف جنائي لا يسقط بالتقادم
التواطؤ: الدمج الاسمي كآلية لخصخصة الإبادة
يكشف مصطلح "الدمج الاسمي" (Nominal Integration) الذي أوردته اللجنة في تقريرها زيف الإصلاح الأمني في عهد الحكومة الانتقالية التي يقودها أحمد الشرع. يتبين من هذا الوصف أن المركز يمارس عملية تبييض قانوني للميليشيات الطائفية، مانحا إياها زي الدولة وحصانتها لتنفيذ عمليات تصفية حسابات تاريخية بعيدة عن أي رقابة قضائية. إن التأكيد الوارد في الوثيقة الأممية على أن العنف ضد العلويين في الساحل، وضد الدروز في السويداء، كان منسقا مركزيا، يسقط سردية الفوضى غير المنضبطة، ويضع المسؤولية الجنائية مباشرة في مكتب السلطة الانتقالية، محولا الدولة من حامية للحقوق إلى مقاول تنفيذ لمشاريع إبادة وظيفية منظمة. وهذا التوصيف القانوني للتقرير يضع الأسس الصارمة لتفعيل مبدأ مسؤولية القيادة في القانون الجنائي الدولي، مما يجعل قادة دمشق عرضة للملاحقة القضائية المباشرة، ويقطع الطريق على مساعي الحكومة للحصول على شرعية أو تمويل دولي غير مشروط لأجهزتها الأمنية التي أثبتت التقارير أنها مجرد ميليشيات معاد تدويرها.
جغرافيا الصمت: تغييب المشغل وابتزاز الأطراف
ترصد لجنة التحقيق بتقريرها الجريمة بدقة بلغت 1500 ضحية في السويداء وحرق 35 قرية واختطاف 21 شابة علوية، لكنها تلوذ بصمت مريب تجاه المحرك الإقليمي لهذه الفصائل. إن غياب الربط العضوي في التقرير بين هذه المجازر وبين التفاهمات الدولية يكشف عن رغبة دولية في حصر الإدانة في الواجهة المحلية لتجنب إرباك خارطة النفوذ التي قسمت سورية إلى محميات أمنية. هذا الصمت يحول الدروز والعلويين من فاعلين سياديين إلى مجرد أرقام في سجل الضحايا، يراد توظيف أوجاعهم كأوراق ضغط في مفاوضات السيادة المشروطة التي تدار في الغرف المغلقة بين دمشق والمجتمع الدولي.
كما أدى التركيز الأممي على الانتهاكات الجندرية الممنهجة إلى ضمان عدم تهميش العنف القائم على النوع الاجتماعي والطائفة، فارضا إدراجه كبند رئيسي لا يقبل المساومة في أي مسارات قادمة للعدالة الانتقالية، مما يحرم السلطة من أي محاولة لتغييب هذا الملف عن طاولات التفاوض.
سقوط الهرم المعرفي: الضحية كـموضوع للحدث لا صانعة له
يتضح من خلال توزيع حق إنتاج الحقيقة في التقرير، أن قاعدة الهرم المعرفي التي تضم الناجين والناجيات وشهود العيان الميدانيين لا تزال تعامل كمادة خام للتحليل لا كمصدر للمعرفة الاستراتيجية. تعتمد اللجنة في إنتاج يقينها على بعثتها الميدانية لدمشق، مما يمنح السلطة المركزية رغم إدانتها اعترافا ضمنيا كمقر وحيد للشرعية، بينما يتم تغييب المجالس المحلية السيادية في الأطراف كمصادر للحقيقة السياسية. هذا الاختزال المعرفي يهدف لإبقاء حل المعضلة السورية حبيس أروقة جنيف، بعيدا عن تطلعات المجتمعات المحلية التي تباد بانتظام مؤسساتي، وتصادر إرادتها لصالح توافقات النخب.
تصويب المنظور: السيادة من الأسفل كخيار نجاة وحيد
يوثق التقرير الأممي (A/HRC/61/62) اكثر مما يمكن اعتباره أعراضا جانبية لعملية انتقال السلطة، فهو يوثق عملية جراحية استئصالية لهوية الأطراف. فتدمير المقامات الروحية للدروز واستخدام أجساد العلويات كساحات حرب طائفية، يثبت أن العدالة لا يمكن أن تمر عبر إصلاح وزارة الدفاع في دمشق. وعليه، فإن الواقعية السياسية تفرض اليوم على الأطراف السيادية انتزاع السيادة اللامركزية المسلحة كضمانة وحيدة للبقاء. إن وصف التقرير للمرحلة بأنها هشة هو في الحقيقة اعتراف دولي بموت الدولة الوطنية، مما يشرعن حق المكونات في الحماية الذاتية بما فيها الطلب او حتى الارتهان لضمانات إقليمية مستقلة تضمن عدم تكرار المجازر. إن تقرير مارس 2026 هو الوثيقة التي تخبر السوريين بوضوح: المركز يقتل بتنسيق مركزي، والأطراف لا تملك إلا أن تكون أو لا تكون.


رابط التقرير :
https://www.ohchr.org/sites/default/files/documents/hrbodies/hrcouncil/sessions-regular/session61/advance-version/a-hrc-61-62-auv.pdf?utm_source=perplexity