في ليلة السابع والعشرين من آذار 2026، وتحديداً في حي العبرة بمدينة السقيلبية، سقط تمثال السيدة العذراء محطماً تحت وطأة هجوم مسلح؛ الشجار العادي الذي تروج له الماكينة الإعلامية لدمشق، ليس إلا إعداماً معنوياً لهوية المدينة. إن مشهد المسلحين الملثمين الذين انطلقوا من منطقة قلعة المضيق تحت غطاء أمني مريب، ليدمروا عشرات المحال والمنازل والسيارات للمسيحيين، هو توقيع أيديولوجي يثبت أن الوطنية السورية في ظل الحكومة الانتقالية ليست سوى كفن يجهز للمكونات الأصيلة.
خديعة الشرارة الفردية: قلب السببية
تحاول السلطة تسويق مفهوم الاستباحة عبر ذريعة المشاجرة؛ حيث يتم تصوير الهجوم كـ “توتر أمني ناتج عن استفزاز فردي” في شارع المشوار. لكن الحقيقة تكشف عن غزوة طائفية اختبارية؛ فالتحرش الأولي لم يكن سبباً، بل كان طعماً عملياتياً لاستدراج الضحية وصناعة ذريعة للغزو المسلح. إن عودة المهاجمين لاحقاً برفقة دوريات رسمية لاعتقال المدافعين عن المدينة هي تصنيع للظلم تهدف لكسر العمود الفقري للمجتمع المسيحي وجس نبض قدرته على المقاومة.
السقيلبية هي رمز للهوية التي شكلت ملاذاً نسبياً للمهجرين منذ عام 2011، ما جعلها اليوم مساحة سيادية يراد تصفيتها ديموغرافياً. إن تكرار نمط استهداف كنيسة آيا صوفيا وإحراق شجرة الميلاد سابقاً يثبت أننا أمام سياسة رسمية تهدف لإفراغ المنطقة وتخيير سكانها بين الرضوخ لسطوة الميليشيا أو الرحيل، وهو جوهر ما نسميه بـ “تصنيع الاستباحة”.
جهاز الأمن العام: المظلة القانونية للمجزرة
هنا تبرز الوظيفة الحقيقية لما يسمى جهاز الأمن العام؛ التسمية التي تطلقها سلطة أحمد الشرع (الجولاني) على أجهزتها الأمنية التي ورثت عقلية النظام السابق في إدارة التناقضات. هذا الجهاز لا يعمل كجهة إنقاذ، بل كـ “شريك بنيوي في الإبادة”؛ فهو يمنح الميليشيات الضوء الأخضر للبطش بالأطراف، ثم يتدخل كفاعل احتواء متأخر لتأمين الانسحاب الآمن للمعتدين بعد إتمام المهمة. إن استبدال المواطنة الشاملة بـ “الحماية المشروطة بالإذعان” هو جوهر عقد الوصاية الذي يفرضه أمير المؤمنين الجديد من دمشق.
إن ربط هذه الجريمة بسياق تقرير الأمم المتحدة 61/62 الصادر في مارس الحالي، والذي وثّق بالدليل الجنائي مسؤولية الدولة السورية عن مجازر تموز 2025 عبر تسلسل قيادي انطلق من دمشق، يضعنا أمام الحقيقة الدامغة: السلطة المركزية لم تتغير. إن ما يحدث في السقيلبية هو استمرار للنمط الإبادي الذي بدأ في “مجازر حلب 2025”، حين سحق المركز السيادات المحلية في الأحياء الكردية والمناطق الصناعية تحت مسمى التحرير لتأميم مواردها بالقوة، وصولاً إلى تموز الأسود في السويداء. دمشق اليوم تستخدم الفرز الطائفي أداة لإدارة التناقضات، حيث يتم توظيف رموز التوتر الديني، مثل تدنيس تمثال السيدة العذراء بالتزامن مع التحضيرات لأحد الشعانين، لإجبار المجتمع المسيحي على القبول بوضع الرهينة.
المقايضة فوق ركام حي العبرة
على المستوى الجيوسياسي، يعكس الصمت الرسمي رغبة دمشق في تحويل هذه الأزمات إلى بضاعة سياسية في سوق الاعتراف الدولي؛ فالمركز يعمد إلى صناعة التهديد عبر أذرعه الملثمة، ليقدم نفسه لاحقاً أمام القوى الكبرى كـ “الضامن الوحيد للاستقرار” في مواجهة الفوضى التي أنتجها هو بنفسه. يتم توظيف دماء المكونات كـ “رهائن استراتيجية” في معادلة مقايضة كبرى: القبول بسلطة الأمر الواقع مقابل حماية شكلية لما تبقى من تعددية، بينما تُترك الأطراف في الحقيقة لمواجهة اقتصاد سياسي للموت يستهدف تجفيف منابع وجودهم المادي والروحي عبر تخريب المحال والممتلكات.
إن هيبة الدولة التي يتغنى بها المركز هي مجرد وهم يستخدم لتعطيل المنطق النفعي والبراغماتي للناس؛ فالدولة التي تعجز عن حماية مقدسات مواطنيها وتتواطأ في ترهيبهم هي دولة فاقدة للوظيفة. المخرج الحقيقي لا يكمن في انتظار لجان تحقيق دمشق الصورية التي تبرر جرائم فصائلها، بل في انتزاع سيادة تعاقدية تضمن للمكونات المحلية حق الدفاع عن النفس بعيداً عن بيروقراطية المجزرة.
الخلاصة الباردة:
هجوم السقيلبية (آذار 2026) هو النسخة المسيحية من تموز السويداء؛ الأداة هي الملثمون (لتجهيل الفاعل سياسياً)، والمشغل هو المركز الممتثل في دمشق، والهدف هو تحويل سورية إلى غابة من الكانتونات يحكمها القوي ويباد فيها الأصلاء بـ “تنسيق مركزي مُغطى بـ لجان تحقيق لا تدين أحداً”. إن سورية محكومة اليوم بمعادلة صفرية: إما أن تلتهم الميليشيا الدولة لتنهي وجود التعددية، أو أن تفرض الأطراف سيادتها كقوة أمر واقع تمنع إبادة الوظيفة وتؤسس لمستقبل لا يكتب فيه الجلاد تقريره عن جثث ضحاياه.
شكرًا على قراءة “Powerhub” من مجلة “The Diplomat”! اشترك مجانًا لتتلقى المنشورات الجديدة .
